لم تكن تملك لعبا، لكن كان باستطاعتها أن تجعل من علب المربى أو الطماطم المصبرة أو قنينات العطر الفارغة ألعابا لها، كانت تملك دمية واحدة صغيرة قصيرة الشعر شقراء...كانت طفلة و كانت تحلم بأن تكون لها غرفة صغيرة بها سرير و منضضة عليها كتابان و مزهرية بداخلها ورود حقيقية تسقيها كل يوم وتغير لها الماء لتحافظ لها على الحياة ما أمكن، وبالغرفة نافدة تغلقها و تفتحها متى شاءت و نور خافت تضيئه نكاية في كل الأضواء الفاقعة و باب تغلقه يحميها من كل الأصوات التي لا تنقطع و بما أن تحقيق الحلم كان مستحيلا، قررت أن تحقق هذا الحلم لدميتها، لم يكن من السهل إيجاد مكان لتشييد الغرفة، فكرت و فكرت و في الأخير عثرت على الحل السحري، ستفرغ مكانا صغيرا جدا يتواجد بخزانة بالمطبخ، مكان به صحنان و بعضا من الكؤوس لتؤتته لدميتها إذ هكذا سيكون بإمكان هذه الأخيرة النوم في طمأنينة و الاستمتاع بوقتها كما تشاء. عثرت على بقايا بعض الأثواب التي كانت أمها ترسلها إلى الخياطة لتجري عليها تعديلات، اختارت الألوان و خاطتها على مقاس الدمية، هذا فستان بنفسجي و الآخر أصفر و الثالث أحمر غامق، هي الفساتين التي لم يكن باستطاعتها أن تختارها لنفسها و هاهي تسعد بسعادة دميتها بملابسها الجديدة. في ذلك الركن الصغير جدا من الخزانة وضعت إسفنجة عليها قطعة من الثوب لتكون سريرا للدمية أما المخدة فكانت عبارة عن علبة أعواد ثقاب فارغة ملفوفة بثوب على المقاس، على يسار السرير وضعت قنينة عطر صغيرة فارغة و على اليمين قصصا واحدة عنوانها الكلب الوفي، الثانية أطفال الغابة و الثالثة سندرلا، هكذا سيكون بإمكان الدمية أن تقرأ بسلام خصوصا و أن باب الخزانة يعني باب الغرفة سيكون مغلقا و بإحكام، في ركن ثالث وضعت الطفلة علبة مربى فارغة لتكون خزانة للملابس الدمية إذ لا مكان للفوضى داخل هذا الفضاء الذي الهدف منه كل شيء و أي شيء إلا الفوضى.
مرت أيام قليلة، استطاعت من خلالها أن تفرح لفرح دميتها و أن تتذكر في كل لحظة تسمع فيها صراخا بأن دميتها تنعم بالهدوء، و أنها تستطيع المطالعة دون أن يأتي إليها أحد كل دقيقة لينتزعها من عالمها السحري، و حين كانت تصل إلى قمة الانزعاج بصوت التلفاز المتسلل طوال الوقت من غرفة الأكل و صوت المذياع المتسلل في نفس الوقت و مند السادسة و النصف صباحا من المطبخ و صوت الكل الذي يتحدث و يصرخ في كل وقت...كانت متأكدة بأن باب غرفة دميتها محكم الإغلاق، و أمام كل الأضواء الساطعة انتظرت أن ينام الجميع و تطفئ الأضواء لتتسلل إلى المطبخ تنير الضوء و تفتح باب غرفة دميتها، تفتحه بضع سنتمترات ليتسلل الضوء إليه و بهذه الطريقة ستنعم دميتها ليس بالهدوء فقط و المكان الخاص الحميمي و إنما بالضوء الخافت الذي يريح النفس و الأعصاب . كانت تلك آخر ليلة ستنتشي فيها الطفلة برؤية دميتها سابحة في بحر من السلام، في يوم الغد فتحت باب الغرفة لتجد الصحون من جديد و بعضا من الكؤوس و نظرة غضب من الأم و كلاما لاينتهي فهمت منه أن لا مكان لها و لا مكان للدمية و لكن هناك فقط مكان للصحون.
تمنت لو غادرت البيت دون عودة...تلك الرغبة الدفينة في الابتعاد في الاختفاء كانت تتحول في كل مرة إلى رغبة جامحة في السفر و بما أنه لم يكن السفر إلا حقا للآخرين فقد نجحت في اقتناء كتب الرحلات، كانت تفتح الكتاب لتغيب و تغيب و تكتشف عوالم و تتعلم و تحلم و تحلم و تقول : " يوما ما ستكون لي غرفة ، يوما ما سأسافر" .
عبد الصمد الحيرش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق