إستقبل القبلة علي فراشه مدثرا في عباءته
السوداء، صلي ركعتين خفيفيتين، جلست أنتظره حتي أتم صلاته، ثم لاحت صفحة
وجهه القديمة نحوي، حينها تلقفتُ يده بقبلة أودعتها ظهر كفه المرتعش،
عانقني عناقه الأخير، فتوليت عن بكائه الذي آلمني وقت الوداع، جالت في
خاطري عباراته خلال جلستنا الأخيره قبلي أن أتهيأ للسفر، لما تنهد بحرقة
بعد أن ردد بمرارة ( حرب التحرير )،ــ حكى لي عن جيوش الفدائيين، التي
حملت السلاح واجترت الخبز اليابس والماء الآسن حتى حفروا الخنادق، وحين حلت
ساعة الصفر نادي حكمدار الفصيله ( عَمر
)، مُدت أيديهم في الصناديق تغترف الذخيره، هب أحدهم واقفا يصرخ ( خيانه )،
اقتنصته فوهه مجهوله، فسقط مثقوب الجبين يسيل من بين عينيه الدم، كانت
خيبة عرضها كعرض السماوات والأرض، هالوا عليه تراب الخندق الخالي وقفلوا
راجعين ــ، كانت أعمدة التلغراف تمرق كالبرق تتدلي منها الأسلاك كأنها
أمعاء خاويه عبر نافذة القطار، قاطع أحد رفاقي يأسا خلفته ذكريات جدي بنكزة
وكلمة ( وصلنا )، حملتنا الشاحنة كعلبة تونه مكتظه باللحم ورائحة العرق،
ثم أفرغتنا كقيء مباغت داخل ساحة معسكر التحرير، ( حاذي يا فدائي ) دخلت
الصف أنتظر دوري في طابور ( الطفشجي ) الذي تسلم بطاقة الهويه، أمعن النظر
ثم دون الإسم في ( دفتر الأحوال ) ثم ناولني البندقيه، وعند نقطة الذخيره
لاحت مجددا فاجعة جدي، عيار الطلقة ليس لتلك البندقيه...!
#اسماعيل_مسعد ( 12 نوفمبر 2016)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق