ليتنا نستطيع العودة قليلا إلى الخلف بخطوات متأنية، نفتش بعد كل بضع منها، عن كنز فقدناه، منذ أصبحنا نعادي أنفسنا ونخاصم ذواتنا، ومنذ أن غابت عنا حقائقنا المختبئة خلف ستار الزمن، والمتخفية ببرقع الحاضر المظلم، حاجبة عنا جمالها الطفولي الساحر، الخالد منذ ماض سعيد.
منذ اندلاع وجودنا، وإشراق قلوبنا في عالم الوعي، ونحن نتأرجح بين مثبطات وخالقات السعادة والنجاح، وبين حرب وحرب، وفشل وغلبة، يشتعل فتيل الإحساس المتوقد، بين حلاوة وانتشاء بنصر مستحق، وبين تعاسة وانطواء في جب الكآبة المظلم.. وبين هذا وذاك فجر جديد، نخلقه من قلوب اعتادت النصر منذ بداية البدء، ومنذ ولادة الزمان والمكان.. فالكون انتصار، ووجودنا انتصار وتوارثنا للحياة والأرض انتصار بعد انتصار.. ولو تأملنا قليلا في أنفسنا واستعدنا ذكرياتنا، المخبأة في صندوق الطفولة المرصع ببراءة الماضي، لعلمنا كم أننا كائن ناجح بالفطرة، قد خلق لينجح ويَسعد، لا ليشقى ويحزن، ولابد له أن يعيش تجربته كاملة بزهو وانتشاء.. ويتوقف العجوز الساخط فينا عن التذمر واختلاق المشاكل.. فالدنيا ممر ضيق، محفوف بالمخاطر والمصاعب لمن اختار الفناء قبل الموت، وطريق أفْيَحُ مزهرُ الجوانب، مكسو بجميلات الورود، ومعطر بعبق الطبيعة الشيماء، بالجمال والجلال، لمن اختار حياة مع الحياة.
وكيف لمن خُلق لينتصرْ، أن يرضى بفتات تتصدق عليه به الظروف، فيصرف عملة العمر بين دكاكين التعاسة والخيبات المتكررة، ويهدر وقته الثمين، ويستنفذ صحته على مُسكرات الفكر، وينسى أن الإنسان يحتاج إلى غذاء.
أدعوك أخي الإنسان كما دعوتُني، لأن تراجع حساباتك في حضرة الطبيعة، بشهادة عفويتك وفطرتك اللتان لن تكْذُباك، بل ستخرجان الطفل الحبيس في الأعماق، الذي نسي أن يعيش ونسي أن الحل في الحلم، وأن منه فقط تبدأ الحياة.
أحلم ولا تبخل على نفسك.. ودوِّن أحلامك على خطاطات المستقبل، المشرق بشمس أفكارك.. غذِّ العقل والفكر ولا تهمل ذاتك.. تجاهل الأحزان وانس نفسك بين يدي خالقك الكامل العظيم، الذي خلق لك العظمة، وجعلك في أحسن تقويم.
توقف ولو للحظات إختلسها من حاضر، ماهو إلا امتداد لهمومك.. هو حاضر يستحق أن نسرق منه هنيهات نصنع منها قوالب مستقبل أبهى وأجمل.. وصبَّ فيها متمنياتك وطموحاتك، وشكِّلها مجسماتِ واقعٍ لن يُخطئك، ومهما تأخر فهو صائبُكَ صائبُك.
ثق بأنك الأفضل..، ولا تقلل من شأنك، بل قل ها أنذا كشمس صباحات الربيع، أسطعُ أملا وتفاؤلا، وعش لأجلك ولأجلنا ولأجل صناعة الحياة كما نشتهيها، وأشرق كل صباح، وابعث بدفئك في قلوب الآخرين، وحتى لو كنت ترى نفسك نارا حارقة، يمكنك أن تجعلها بردا وسلاما كتلك التي ألقي فيها سيدنا خليل الله، فقد تكون نقاوة قلبك أقوى من كل العثرات.. فقط ثق بنفسك.. صالحها.. أحلم.. واصنع المستقبل.. وتذكر أنك كائن خُلق لينتصر.
عبد الصمد الحيرش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق