الاحداث

رابطة عزف الاقلام

جديد الموقع

الاثنين، 14 نوفمبر 2016

فن الكتابة وسرّ الإبداع...للـأديب المغربى/ عبد الصمد الحيرش





لا يغفل أحد من الناس أهميّة الكتابة في حياة الشعوب، ذلك لأنّ تاريخ العالم وحضاراته لا يمكن أن تنتقل من جيلٍ إلى جيل إلّا بكتابتها على الأوراق والصحف وغير ذلك من الأدوات، لو سلّمنا عدم وجود الكتابة في حياة الشعوب لاندثر ذكر كثيرٍ من الحضارات، فمرحلة الفراعنة حين حكموا مصر قبل الميلاد قد ورد ذكرها في كثيرٍ من المصادر والكتب، وكذلك حضارة اليونان القدماء وما وصل من علومهم في شتّى ميادين المعرفة، وبالتّالي فإنّ أهميّة الكتابة كبيرة وكثيرة  و من الأشياء الجوهرية بالنسبة للإنسان  فكسرت الحدود الزمانية و المكانية انطلاقا من الإرتقاء بالذات و نشر ما يجود به خاطرالكاتب من كلمات منبعها القلب و وجهتها أسماع و أنظار المتلقين الذين هم لها أنصار أوفياء يشهدون لخربشات الكاتب بالخلود حتى بعد موته.

قد نعتبر الكتابة ذاك المتنفس الذي يستطيع المرء من خلاله مشاركة مشاعره سواء السلبية منها أو الإيجابية مع متابعيه و أصدقائه و كمن يكون في جلسة للإستماع مع طبيب نفساني فتهون وطأة الحزن و تعظم الفرحة.

فكما نعلم جميعا أن الصدر لا يقوى على تخزين كل ما يخالج المرء بل و إن زاد فوق طاقته سيكون المصير هو الاختناق لحد الإنفجار، لذا فالكتابة إذن هي استراحة و إزالة لأثقال الاختزان و طمأنينة للقلب و تجديد عهد جديد من الطمأنينة النفسية . بالإضافة إلى أن الكتابة هي فرصة لمد الجسور بين العوامل الداخلية و الخارجية فيصبح للمعاني وقع عام ينتشر ليحاكي الأفكار و يتفاعل مع الآراء و يجعل للصواب أكثر من باب لبلورة الرسائل و إيصالها بالطريقة المنشودة .


تنقسم الرسالة الكتابية بين كاتب و آخر فهناك من يكون صدقا مع نفسه لدرجة تجعله يخسر العديد من الأشياء كمن حوله و بعض الأشياء المرتبطة به، و هناك من يكون متحفظا في كلماته حريصا على الخروج بأقل الخسائر من خطابه الذي لن يروق الجميع أحيانا، و من هذا المنطلق قد نستخلص شيئا مهما و هو كون الكتابة ليس شيئا يسيرا، فالكلمة تبقى سرّ الكاتب وقد يبقى معناها الأصليّ في قلبه بعد أن اختمرت في عقله، يغوص فيها القارئ ليتأمّل ذاته من خلالها ويكتشف عوالم أخرى أبعد بكثير من التفصيل السّطحيّ للحياة اليوميّة. كما يكتشف عمق فكر الكاتب لأنّ روحه الحاضرة في النّص تحاكيه بشفافيّة وصدق، فكم من كتّاب غيّروا العالم بسلاح الكلمة، وكم منهم حوّلوا مسار التّاريخ لأنّهم ناضلوا بالكلمة. . كما لا ننسى أن الكتابة كانت سبيلا من السبل التي اعتمدها الإنسان منذ القدم لبناء الحضارة و جعلته يورث حكما و أقاويل للسلف الصالح تقتدي بها أجيال تلو الأجيال رافضة للإهانة بما علموا ثائرين في وجه الطغاة معبرين عن آرائهم اتجاه كل ما ينتهك حدود الصواب.

فكان لابد للحرف أن يضع قطيعة مع الجهل و يرشد شعوبا و قبائل للإستقامة و إقامة الحجة بالإرشاد . و إن لمن باب احترام الكتابة عدم الكتابة من أجل تركيب الحروف ببعضها البعض فقط ، بل احترامها يتجلى في الكتابة عند اللحظة التي يحس الفرد منا بامتلاء كيانه و قد تأججت ملكاته تعطشا لخرق القلوب بالحروف دون أي استشارة ، طارحا بهذا وجهة نظر قوية نابعة عن مزيج موحد يجمع السبيل و الغاية في اتجاه واحد . هذا ما يبرر اختلاف طقوس الكتابة من شخص إلى آخر فهناك من لا يستطيع أن يكتب دون صخب و هناك من يتجه دائما لمكان محدد يستمد منه الإلهام و التعبير و أيضا هناك من لا يكتب إلا برفقة سجائر ممتازة و كذلك من تعتبر الكتابة عندهم قضية أو عادة موسمية.

و في الأخير فإن اختيار الكتابة هو الطريق الأنسب لراحة القلب و تشارك الأفكار و القناعات و عدم اقتصارها فقط على الذات الداخلية بل إطلاق العنان للكلمة كي تأخد المنحى السليم لاستخلاص المعاني، و أكثر من هذا و في ظل تعذر خلود الجسد أصبح خلود الفكر و الروح هو الوحيد الذي يمكن نيله عبر ترجمة الكتاب لكل ما جادت به قريحتهم إلى حروف مرصعة من ذهب نفيس لا يصدأ .. مخلفة مسارا معبد للرسالة كي تنعم بالبقاء و التمدد حتى يرث الله الأرض و من عليها .

عبد الصمد الحيرش

ليست هناك تعليقات: