ما زال السؤال قائمًا، لماذا نحتاج ذلك النوع الغريب من الخيال؟ النوع الذي تظهر فيه الكائنات الأسطورية والأحصنة المجنحة والبشر بأنياب؟ حين تعمل لوقتٍ طويلٍ وتشعر بأن حياتك أصبحت نمطيةً ثقيلةً محملةً بالهموم والمسئوليات ولم تعد قادرًا على الاستمرار أكثر في نفس الحلقة المفرغة فأنت تستقطع لنفسك وقتًا من تلك الضغوطات كلها وتأخذ لنفسك عطلةً ترتاح فيها وتستجم، نفس القانون يمكن تطبيقه على العقل البشري فهو ليس بحاجةٍ لمواجهة الواقع لمدة 24 ساعة يوميًا خلال 30 يومًا شهريًا كاملةً! يحتاج العقل للراحة خاصةً أن الواقع مظلم وليس بجمال ولا بريق الأحلام والخيال، فأنت في الواقع مهما ازدان وتجمل يجب أن تدفع ثمن كل شيءٍ وتتعب للوصول إلى كل شيء وتدفع من وقتك وجهدك وطاقتك للحصول على شيءٍ في الواقع، وعندما تحصل عليه لا يكون رائعًا أو مثاليًا وإنما هو شيءٌ حقيقيٌ واقعيٌ تسوده عيوب الواقع، عندها تصبح بحاجةٍ حقيقيةٍ لأخذ إجازة ويصبح عقلك بحاجةٍ لأن يحلم ويتخيل أشياء لن يدفع ثمنها وأشياء أخرى كاملة جميلة لا تشوبها شائبة، كثرة تعاملنا مع الواقع تدفعنا للرغبة في إيجاد ثغرةٍ نتنفس منها لأن الواقع دائمًا ما يذكرنا بأننا ملتصقون بالأرض عبر الجاذبية بينما تتيح لنا نافذة الخيال أن نبسط أجنحتنا ونطير في الهواء، الخيال يعطينا فرصةً ورحلةً نرتاح فيها من ضغوط الواقع لنعود إليه أكثر قدرةً على المسير والتحمل، يعطينا الأمل حين يكون الواقع مظلمًا قاتمًا فيخبرنا أن الغد سيكون أفضل وأن علينا التحمل، وبالرغم من ذلك فهو سلاحٌ ذو حدين علينا الانتباه أثناء استخدامه، لأننا عند نقطةٍ معينةٍ قد لا نكون قادرين على العودة لواقعنا فنعيش في خيالنا للأبد بينما تنهدم جدران الواقع فوق رؤوسنا دون أن ننتبه، نحن نحلم، لأن الواقع مرعب.
عبد الصمد الحيرش

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق