إضطربت القدرات لديه, فتمخض لديه فكرا حائرا, وإنخفض وعيه بالبيئة المحيطة, قالها الطبيب قبل أن يتخلى عن عدستية واضعا إياها جانبا, أشار إلى قائلا, لننظر إلى هذا الأنفوجراف, كان العرض مقدما على شاشة كبيرة بتصميم محترف لباور بوينت, عن أعراض البارنويا وتفاصيل شخصيتها وسبل التعامل الصحيح مع تلك الحالات, أكمل الطبيب حديثه معلقا على بنود العرض, قد تتوقف حالته عند فكرة معينة أحيانا, وأحيانا لن يستجيب للحديث او الأسئلة, وربما يعاني فقدا للقدرة على التحكم فى العضلات والإنفعالات, ربما يري شخوصا وأشياءا ليست موجودة, تحولات سريعة وحادة فى المزاج, أو شعور بالإضطهاد كونه مميزا وعظيما وقد يتطور الأمر فى حالات نادرة بإدعاء النبوة مثلا أو الإنتساب لقصر باكينجهام.
أكد الطبيب على ضرورة إيقاف علاج الربو الذي لازمه لسنوات, أصبحت نوبات البارانويا تزداد حدة عند المساء, وهى عرض من اعراض الفصام كما علمت من القرص المدمج التعليمي الذي منحنيه الطبيب,كان رحيل والدتى المباغت منذ سنوات, قد خلف روحين كسيرتين من ورائه, لذا منحت أبى ما تبقى من حياتي حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.
إختزل أبى إهتماماته مؤخرا حول نقاط بعينها, حبه الشديد للنساء والتاريخ والعطور والفلسفة, عقدت له جلسات إستماع مطولة لألبى شغفه بإنصاتي إليه كمحاضر تنمية بشرية فى برامج علم الكلام التى بلا فائدة, مرغمة كنت أحيانا وأحيانا أخرى أعطيه القلب والأسماع,مفوها كان بالفطرة ميالا للحديث والتودد, بدا حديثه مشوبا بالأعراض مرة ويحمل تصوفا بليغا وحكمة مرة أخرى, يبدأ نوبات الكلام دائما بحكةشديدة فى جبينة, ثم يجلس إلى مكتبه الصنوبرى ومن حوله المراجع والسلاسل ذات العناوين المذهبة كـ ( أعمدة هركليز ) كما يحلو له دوما تسميتها, لديه سمت صبوح ينم عن أثر نعمة قديمة تركت إلتماعة فى وجنتيه, ذات يوم وهو يقرأ أحد كتبه, أغلق دفتى الكتاب كي يخبرني, الصرب قصفوا قبر بيجوفيتش بطائرة حربية, وهو الممدد فى قبره غير قادر حتى على مصافحتهم, يال الإنسانية!, كبلتهم فلسفة الرجل فى حياته القصيرة, فراحوا يتشفون من قبره.
سألته هل تحب بيجوفيتش, ماء ببراح جبينه إيماءة اللابأس, فعقب, ما الفارق إن كان شاهد القبر يحمل إسم بيجوفيتش أو مليسوفيتش, نحن بصدد جثمان مسجي فى قبر, نحن بصدد إنسان, ساد صمت رائق بعد أن راقتني عباراته التى مست شغاف قلبى.
ثم ما لبث أن واصل الحديث, هذه المرة كانت السيدة (ماتيلدا) التى تحذره على الدوام من إقتراب نهاية العالم قد حان موعد بيانها اليومى, أكد لى أن هذا التحذير هو الخامس على التوالى, وأن جل ما يخشاه كون الرقم خمسة هو حامل مفاتيح أسرار الكون, القابع لدي خوفو ( الإله رع) القدير فى بنايته الأعظم عبر الأزمنة, والتى تتجلى عينه من خلال قمة الهرم والذى يبسط عرشه على الماء وحوله الأعشاب المائية عند حافة برمودا فى شعار الماسون المخطوط على الدولار.
أبديت له إستغرابا مصطنعا من الربط بين خوفو والرقم خمسة والماسونية, أسهب واثقا من حديثه حول ربوبية خوفو وإحتكاره مجمع أسرار الكون داخل بنايته العتيقة, فكل ما ادركه علم المصريات عن رع لا يتجاوز تمثالا بحجم خمسة سنتميترات عثر عليه بعيدا عن الهرم, ولم تقدم البرديات ولا الجدارايات رغم وفرتها أية شيء, وسوف يعود رع إلها محايدا ينظف أظافره فى صمت على مراكبه الشمسية, مجدفا صوب النجوم يطهر الشرور والآثام, حين يقلع من حفر المراكب الخمسة حول الهرم.
ثم شرع باب الشرفة ذو الزجاج الملون والتي تطل على اهرامات الجيزة وراح فى نوبة تأمل سحيقة.
أخذتني سِنة من النوم فوق الأريكة مستغلة إنشغاله, وبعد إستفاقتي منها إثر بصيص الشفق الأبيض الذى تسرب حاملا نسمات الصباح الأولى, ألفيت عشرات الكتب على الأرضية الخشبية للحجرة يتجول أبى فيما بينها مرتكزا على ركبتيه, يكتب ما شاء الله له ان يكتب فى مفكرة صغيرة, بادرنى بإبتسامة الصباح ثم أشار أن أقترب, تشبهت بجلسته فارتكزت إلى جواره مهتمة بفضول, مُدت يده بمفكرته فتناولتها فإذا بخوفو لا يزال سيد الموقف, كان قد قضي ليلته يبحث ويدون بخطه الأنيق وبتوثيق يليق بأكاديمي, منحته قبلة إعجاب رأيت الجهد يستحقها, فألححت عليه أن ينال شيئا من الراحه, لكنه أهمل طلبي فاستعاد مذكرته وأخذ يقرأ حصيلة بحثه, توسدت فخذه ومددت قامتى بين الكتب المطروحة وهو لا يزال يتلو, حواس الإنسان خمسة وأصابعه خمسة, كروكي الجسد البشري خمسة أطراف, حفر المراكب الشمسية خمسة, أربع نقاط للهرم وتشكل قمته الخامسة, الأجساد والثمار لا تتحلل داخل الهرم الذى يتجاوز المجال المغناطيسى داخله 1300 جاوس والقياس الطبيعي للفضاء الكوني واحد جاوس فقط, شعار الماسون هو الفرجار والزاوية القائمة يتقابلان فى أربعة نقاط وحرف g هو النقطه الخامسه ترمز لأول حرف من كلمة الإله, وهو شعار يرمز إلى سر البناء, والأبعاد الطبيعية أربعة خامسها البعد الفيزيائي الخاص بالسفر فى الزمن, والرقم خمسة هو تعويذة طرد الأرواح فى سائر الحضارات.
سيعود رع يا ابنتى من الحفرة الخامسة عبر ظاهرة ( تباطوء الزمن الفيزيائي فى البعد الخامس), أري روحه تدور فى فضاء الهرم تنتظر إلتباس مومياءه لتحتل عينه القمة, ثم يطير بمركبه الشمسي حاملا عصاة على قمتها شمعدانا خماسيا, إن نقوش الدولار تحمل بروتوكول العودة الكامل.
رمقته بنظرة محدجه بعد أن أنهى القراءة, تناولت مفكرته فقرأتها مرة أخرى, ثم تناولت قلمه فمنحته عشرة من عشرة, وناشدته أن يستريح.. #اسماعيل_مسعد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق