الاحداث

رابطة عزف الاقلام

جديد الموقع

الثلاثاء، 3 يناير 2017

طفل الأقحوان ..بقلم أ. خولة رمضان

صيرة / تأليف خولة رمضان
 بعنوان :طفل الأقحوان
المملكة الاردنية الهاشمية
    خاص بمسابقة بوح الصورة
رابطة عزف الاقلام العربية

     في ليلة باردة مظلمة ، خيم فيها القلق على عقلها ، وجثم الهم على قلبها ، وانتصر الجزع على صبرها .

     قررت ام عمر  ان تنجو بآخر أبنائها
 وتهرب معه إلى مكان آمن ، داهمتها الذكريات ، وعصفت بروحها زفرات الشوق، و تذكرت الزوج والأبناء ، وكيف فقدتهم في قصف جوي على حلب.

  تمتمت بكلمات تلعن الحاقدين ؛ فقلوبهم لا تعرف الرحمة ولا ترأف بالضعفاء أمثالها...حينها هاجمتها الظنون تحذرها ، وسيطر الخوف عليها ،و تسرب الى قلبها الجريح .

      حزمت قليلا من أمتعتها ، وتدافعت خطواتها باتجاه المكان الذي تم الإتفاق عليه مع الأقارب والأصدقاء ، وفي أثناء ذلك رمقت بيتها بنظرة بائسة حانية تودعه وتنعاه ، كما نعى جيرانها بيوتهم المهدمة قبل حين..وهي تعلم يقينا أن عصابات البغي ستتدفق الى الحي المهدم لنيل الغنائم .

   صاح ابنها عمر وهي تحث خطاه وتدفعه أمامها :
     أمي أريد دراجتي الهوائية أرجوك سأعود لأخذها، صاحت به تؤنبه :
لا بني لا يمكنك ذلك ...

    حلب تحترق بني ، سننجو معا هيا إلى الحافلة ...بدأ بالعدو مع والدته ، ولكن عيونهما ما انفكت ترنو الى الخلف ؛ حيث الأمنيات والذكريات، وتسارعت نبضات قلبها ،وتصبب العرق من جبينها ، إلى أن
وصلت بأمان ..

   استقلت الحافلة المتجهة نحو الحدود
التركيه ..وبعد مسيرة من الدقائق
قامت الطائرات الحربية بإلقاء القنابل وحمم الموت نحو الحافلة ...فاشتعلت الحافلة بمن فيها ...

      أصبحت الحافلة كتلة من اللهب ، احترقت الأجساد ...وانتشرت رائحة الشواء ، وغطت على عبق الفل والريحان...

       ونجت أم عمر وابنها بأعجوبة.
   كانت تنزف وتتالم وتئن ، ولكنها أفاقت تتحسس جروحها ، وتبحث عن فلذة كبدها ، و تمتمت بحروف متقطعة :
عمر  حبيبي أين انت؟ لكن لا يمكن لاحد
ان يسمع حروفها المبعثرة..
   نهضت رغم الجراح واثاقلت خطاها
وسقطت أرضا لعظم إصابتها...

     إنها اللحظات الأخيرة لحياتها  ، وتدفق
الدم الزكي من جسدها يروي زهر الأقحوان على أرض حلب ، وفاضت روحها وهي تتشهد وتكبر بصوت ملائكي يقطع الأكباد .
            تحسس عمر جبين أمه ، ومسح الدم الحنون عن جبهتها براحتيه، وقبل
وجنتيها ، وصاح صيحة تدمي الفؤاد :
أمي أفيقي بالله عليك ، وما عاد يدري ما يفعل .
 
       كانت صرخته مدوية تزلزل الأرض
وتستقر في السماء  ، لكن  لا أحد يؤازره في وحدته ، ولا من مغيث له إلا الله...
     
     نبش الأرض بيديه الصغيرتين ، وهال التراب على جسدها ليوقف النزف المتدفق في مشهد مأساوي تتقطع له الأكباد ، ويندى له جبين العروبة .
 
     ثم أخذ يعدو باتجاه حلب ..وفي راحتيه ضمة من الأقحوان ، جمعها وهو يهيل التراب على جسد أمه ، أمسك الاقحوان بيديه الجريحتين ، وواصل الخطا حتى  وصل إلى الأسلاك الشائكة....
 
  وهناك تحشرج الدمع في مقلتيه، وانطفأ الأمل بتحقيق هدفه ، ودارت به الدنيا .

     ونظر إلى زهر الاقحوان بين يديه نظرة حانية ، وألقاه على الأسلاك مقابل حلب فتشابكا معا .

   وهناك  غار الجرح ، وتقاطر الدمع
وانكفأ الحلم بالحصول على دراجته
فهي ليست اغلى من والدته التي تركها
في ارض خالية، وليست اغلى من والده
وإخوانه الذين فقدهم في غارات الحقد.

      تحسس الأسلاك براحتيه فزاد ألمه وتعمقت جراحه، وتضاعف اليتم أضعافا
مضاعفة ، ولكنه يأمل أن تكون هذه الأزهار  هديته المتواضعة لحلب ، مدينة الأقحوان  المثخنة بالجراح...

تمت بقلمي خولة رمضان

ليست هناك تعليقات: